الحلم الوردي

عندما تضيق مساحات الأمل يبقى للكلمة صوت و للحرية متسع يجمعني بكبريائي بذاتي بروحي التي تسكن عالمي الوردي

 

 

اقترب عيد الميلاد، و موسم التخفيضات  قد قارب على الانتهاء، الجميع يهرول إلى الأسواق، و الضوضاء و حركة أقدام الناس و عجلتهم في تلك الليلة المظلمة، وذلك البرد القارس الذي لا تستطيع أن تمكث فيه خارج حدود أربعة جدران، كان واقعا و صورة  من الخيال التي يجب تصديقها. تلك المدينة الأوروبية لم يقف فيها صبي أو فتاة، و لا عجوز أو امرأة أو رجل، الكل يهرول هنا وهناك و كأن الحياة سوف تتوقف في غضون ساعات.حتى أن الغريب فيها يحسب أن ثمة أمرا ما قد حل و أن مصيبة تكاد تلحق بتلك المدينة، إلا أنه حينما يقترب و يختلط بجماعاتهم و يصغي إلى أحاديثهم المتبادلة، يدرك أن كل ذلك الضجيج ما كان إلا استعدادا و احتفالا بعيد الميلاد، و أنا كذلك كنت مدركة أن هذا الضجيج ما كان إلا استعدادا لرأس السنة الميلادية.حملت حقيبتي بعد أن تأكدت أن محفظة النقود قد كانت بداخلها، و ارتديت معطفا أسودا صوفيا، يحمي ذلك الجسد الذي لن ترحمه برودة تلك الليلة العاصفة و قساوتها، و حذاء ذو رقبة حشي بفرو يدفىء رجلاي الناعمتان من صقيع ذلك الهواء الذي يتسرب بين الأزقة و الطرقات.دخلت المحل و كعادتي اتجهت إلى تلك الزاوية التي تحتوي على مستحضرات التجميل و بعض مستحضرات العناية بالجسم و البشرة، في بادىء الأمر كنت منذهلة بذلك الكم الهائل من تلك البضاعة المكدسة، حتى أنني قلت بيني و بين نفسي “هنا فقط سأجد ضالتي و اشتري كل ما أريد ” تفاجأت بعدها أنني لم أجد شيئا يلائمني و أن ليس كل ما يلمع ذهبا.اقتربت قليلا من بعض الكريمات أريد أن اشتم رائحة عطرها، كدت أموت من عطرها المركز فأبعدت الزجاجة على الفور، و لسان حالي يقول:من تضع او تشتري هذا المنتج، ماهي إلا امرأة معدومة الذوق و حاسة الشم قد انعدمت لديها، ثم تمالكت أعصابي و تنهدت قليلا و ابتعدت عن تلك البضاعة، حاملة معي ابتسامة تميل إلى عدم قائلة:ماذا دهاك الناس تختلف في أذواقها، و بينما التفت يمينا و يسارا، و تمتمة الشفاة لم تكن لتسكن و لو لمرة واحدة من جراء غضبي، استوقفتني عجوز امتصت كل تمتمة و كل غضب و عدم رضا أبديته في ذلك المحل و أمام تلك المنتجات.عجوز ولكن…من يراها يحسبها امرأة في العقد الثالث من العمر، كانت قصيرة جدا يصل طولها إلى أعلى وسطي بقليل، حتى أنني خفت أن أكسر رقبتها و هي تنظر إلي، كانت مرتدية نظارة ذات إطار ذهبي يتماشى مع لون شعرها الأصفرالكاريه، الذي يخفي تجاعيد وجهها و ما حول عينيها الصغيرتين، مع قليل من أحمر الشفاة بلون الزهر المائل الى اللون الكرزي، و يغطي جسدها معطفا بلون البيج، يصل إلى أسفل ركبتيها، و جسد يرتكز ضعفه على ذلك العكاز البني.اقتربت منها سألتني  أيتها الفتاة ماذا كتب على هذا “اللوشن” ذو القارورة اللؤلؤية اللون؟!. ساعديني رجاء عيناي لا تقويان على القراءة بوضوح، فأجبتها:أعتقد يا أماه أنها برائحة الورد، و لكننا لم نستطع أن نشم رائحته حيث أن الغطاء كان محكما، فقلت لها:انتظري سوف أساعدك، ظللنا نبحث و نبحث في جميع الأرفف، إلى أن وقعت يداي على منتج يحمل نفس الإسم ولكنه كريم لما بعد الحمام، قلت لها:وجدته هذا هو.فرأيت ابتسامة الرضا والفرح ترتسم على شفتيها فعينيها، و تجاعيد يدها و هي تحمل القارورة كان منظرا جميلا أحببته كثيرا، ابتسمت و قالت لي:أنت فتاة طيبة القلب، شكرا لك، و من ثم أبدت عدم رضاها بخدماتهم، فعرضت عليها أن أحمل امتعتها فلم تقبل بذلك و أجابتني قائلة:أستطيع حملها بنفسي وابتسمت  لي ورحلت.إنها عجوز ولكن..وجودي معها، و ملامح الصورة الهادئة، و تجاعيد وجهها، و يديها ورقة قلبها بجانب تعاملها اللطيف، كل شيء بقى عالقا في ذهني إلى اليوم. عدت إلى المنزل في تلك الليلة و أنا أفكر فيها، نزعت حذائي، و رميت حقيبتي على سريري، و من ثم استلقيت على ظهري بالقرب منها، أنظر إلى سماء الغرفة وأفكر فيها …هي عجوز و لكن،، لم تمكث في منزلها تنتظر عون الآخرين .هي عجوز و لكن،،لم يمنعها عكازها يوما من أن تمارس حياتها و أن ترتدي ما تشاء، و ما يتماشى مع قناعاتها دون الخوف من نظرات الناس  و تشمتهم.هي عجوز و لكن،،،، استطاعت أن تمدني بطاقة شبابها الذي رحل، و أملها وطموحها المستمر.هي عجوز و لكن،،،، استطاعت أن تميز بني البشر، استطاعت أن تبعث بحنانها إلي عندما لامست يداها يدي، و عندما ابتسمت استطاعت أن تصنع حياة في غضون دقائق فقط.هي عجوز و لكن،،،كانت تملك ما يفقده معظمنا من ذوق و تعامل و اتيكيت و لباقة في الحديث . هي عجوز ولكن،، جعلتني أنظر إلى عالمنا و لسان حالي يقول :انظروا ماذا نصنع نحن أمة المسلمين في تعاملنا مع  إخواننا و انظروا ماذا صنعت تلك العجوز التي كانت تستعد لعيد الميلاد..                                                                                                                     تحديث

2181937293_1da766354c1.jpg

15 ردود ل “عجوز و لكن”

  1. اهلا ايودية

    احببت في النص انه تحدث عن موقف صادفته ايودية في تلك البلاد البعيدة , الباردة .. في بلاد الغربة بالاحرى

    نتمنى ان نقرأ المزيد من هذه المواقف مبروك المدونة اليديدة
    و اشكرك على البوست :)

    ورق مخطط

  2. انهم منسيون في عالمنا، لكنهم يستطيعون تغيير مجتمع بأكبره !

    هذه العجوز التي قد لا يبالي بها أحد، استطاعت جعلكم تفكرون كثيرا، وربما تتخذون بعض القرارات !

    أبارك لكم هذه المدونة، بداية أكثر من رائعة، ولديكم اسلوب رائع في وصف ما حولكم والأجواء المحيطة، وأعجبني الوصف الدقيق للعجوز حتى ( عكازها البني ) فتخيلت أني أراها أمامي :)

    دعواتكم . . .

    عابر سبيل

  3. أكثر شي عجبني في الموضوع وصفك الدقيق للمكان والزمان والبرودة نقلتينا لعالمك..
    أحسست بتلك العجوز وروعة تأثيرها ..

    شكراً لك يا بنت الأجاويد لادحالنا لعالمك
    :)

    فتاة الأمل

  4. تمر بنا الايام ونترك خلفنا الكثير من التفاصيل غير مبالين ولكن هناك من يتذكرنا ويذكر الاخرين بنا شكرا جزيلا لك بنت الاجاويد

    ثامر داود

    thamir dawood

  5. مرحبا بحرينية اسعدني تواجدك انتظرتي المدنة بفارغ الصبر فكنت السباقة لتسجيل أول تعليق لأول مواضيعي.. فعلا كان هذا الموضوع من واقع لاحظته و رأيته بأم عيني تألمت كثيرا لحالنا نحن العرب المسلمين و حمدت الله أن هباني تلك اللحظة لأستمد منها طاقة و أمل للمستقبل الآتي أتمنى أن ألتقيها مرة أخرى لأسجل لها عبارات إعجابي..و يكفيني ان أبقى متأملة لحياتها دون أن أقترب منها ودون أن تعلم هي بذلك

    دمت بود

    bird

  6. مرحبا أخوي عابر سبيل الله يبارك فيك
    فعلا انهم منسيون و دائما ما يقلل معظمنا من قدراتهم و لكن لو تأملنا قليلا لحياتهم لرأينا عالم جميل بخطوات غير متباعدة و لكن لديها من الأمل الكثير

    أشكر مرورك
    وأسعدني تواصلك

    bird

  7. فتاة الأمل
    الحمدلله ان هناك من يعشق التفاصيل
    التفاصيل هي من تجعل القارىء يعيش الموقف مع الكاتب فتصبح الحروف و الكلمات متواصلة ما بين الموقف و القارئ و كاتبها

    يعطيج العافية سعدت أن الموضوع نال اعجابك
    ودمت بود

    bird

  8. مرحبا اخي ثامر
    بالفعل هناك تفاصيل في حياتنا لا نمر بها او قد نمر بها دون ان نوليها شيئا من اهتمامنا فتضيع بين أسطر الحياة دون أن ندرك اهميتها
    وان ادركناها تكون بلفتة ثم تجاهل منا فنعود ونفقدها من جديد

    تواصل رائع أتمنى أن لا ينقطع
    بالفعل وجودك أثلج صدري

    دمت بود

    bird

  9. عزيزتي الحلم الوردي ..

    احب ان اقرأأسطرك .. فكم تأسرني الكاتبة حين تهتم بوصف المواقف بجميع زواياها ..

    اعجبتني اسطرك وبشده .. حين قلتي :

    حملت حقيبتي بعد أن تأكدت أن محفظة النقود قد كانت بداخلها، و ارتديت معطفا أسودا صوفيا، يحمي ذلك الجسد الذي لن ترحمه برودة تلك الليلة العاصفة و قساوتها، و حذاء ذو رقبة حشي بفرو يدفىء رجلاي الناعمتان من صقيع ذلك الهواء الذي يتسرب بين الأزقة و الطرقات.

    والكثير غيرها مما لا يسعني ادراجه هنا ..

    سلمتي غاليتي .. وبلا شك .. لي عودة .

    أميره

  10. يعطيج العافية اختي اميرة

    سعيدة بتواجدك وبمرورك الدائم على مدونتي و اشكر كلماتك اللطيفة و قراءتك وتمعنك بالكلمات والوصف واسعدني ان عباراتي البسيطة اعجبتك ….

    بالفعل اخجلتني كلماتك
    واتمنى ان اقدم شيئا قيم وبنفس المستوى وللافضل

    تحياتي لج ^_^

    bird

  11. بسم الله الرحمن الرحيم

    اطليت اذا يوم على مدونة الحلم الوردي فوجدت مايشد انتباه القاري من مواضيع مميزة متنوعة

    ومن نسج فكري واعي وعلم ابداعي فسجلت اعجابي بماشاهته

    مع وافر احترامي

    الكايد …….. دمتم بخير

    salzlamy

  12. ماشاء الله تملكين قدرة جميلة على الوصف ..

    والفكرة كانت راقية أيضاً ..

    ومن شب على شيء .. شاب عليه ..

    مُنيرة

  13. حياك الله اخوي الكايد
    اسعدني….

    حضورك
    اطلالتك
    تواجدك

    وحروف اعجابك التي نثرتها هنا وتاكد ان تلك الجمل التي بعثرت هنا لن تكون جميلة بحجم جمال قراءتها و التمعن بمفرداتها….

    اتمنى ان لا تكون زيارتك الاخيرة
    دمت بود اخي

    bird

  14. اختي منيرة
    شكرا لثنائك وكلماتك الطيبة
    اسعدني ان اعجبتك الفكرة و ما حملته بين حناياها من وصف ومعاني

    تحياتي الطيبة لك اختي الغالية

    bird

  15. بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم زد وبارك لمن زودنه بعلمك
    وفضلك ان في هذه المدونة مماصنع الفكر الكثير والكثير كما انها تحتوي على مواضيع لها ذات الاهمية القصوى لحياة الانسان وتأمله في خلق الرحمن وكذلك مسرتيه الحياتية انه في تلك الدونه يجد
    مايذكر ويفكره ليراجع كيف ان الله تعالى جعل من البحر جماللا
    جعل من الجمال نظرةباهية الجمال
    والطبيعة لادري ماذا اقول وقد يخونني التعبير في كثير ولكن لا اعجابي اسجل هذا التعليق التي
    ارجو انه يليق بصاحب المدونة الراقية والفكر الراقي

    الكايد

إضافة تعليق